11 سنة مرت على رحيل خال الشعب، عبد الرحمن الأبنودى.. مكتوب في سيرته أنه رحل بعد صراع طويل ليتنفس دون أن يتألم.. عانى انسدادا رئويا والهواء نافذ حتى من الشقوق.. رحل قبل احتلال الأبراج الأيقونية هواء وسماء الساحل والصحرا!! مستطيلات أبراج مقسمة مكعبات زجاجية للترفيه عن الصفوة في عطلاتهم القصيرة، وسط بذخ فاق أقصى خيالاتنا!! أكثر من مئة مليون مصري لا يحلمون اليوم إلا بأمان الستر وحلاوة رتابته.. لكن نصفا في المئة منا سابحون في ظلال الأثرياء!! رجال أعمال استحقوا لقب "مطور عقاري" بإنجازاتهم، وفازوا بكامل دعم الحكومة، مساحات أرض تتخطى 200 فدان، مليارات قروض من البنك المركزي رغم مخاطر الائتمان، وسوابق هروب نواب القروض!! انتهاء بصورة رئيس وزرائنا تتصدر إعلانات المحظوظ! مليارات قروض من ودائعنا ومدخراتنا لبناء أبراج ترفيهية ومراسي يخوت للصفوة، بدلا من مصانع تؤمن مستقبل الوطن!!
طاردتني أغنية "عدى النهار"، التي تدفقت كلماتها من روح الخال عقب نكسة 67.. انتفض الشاعر، وصدح عبد الحليم بشعلة الكلمات، فنجح صدق الوطنية في إعادة التوازن النفسي للمصريين.. كلمات تئن، وترفض، وتهب لاستعادة النهار.. أغنية كلما سمعها جيلي يرتجف، تتصارع داخلنا ذكريات ملحمية مع واقع يلفظنا.. هل هرٍمَت أحلامنا، أم صدأت؟! وما بال خزائن ذكرياتنا يقظة!! متخمة بتفاصيل حية لهزيمة أذلتنا جيشا وشعبا، لم تنزو تحت أعلام استرداد الكرامة.. ذكرياتنا مصونة في حفائر نفسية، ذخيرة وميراثا، مضادا حيويا ممتد المفعول ضد غزو معاول تغريب!!
اسمعوا معي، ارووا ظمأ وجفاف أيامنا التي يشكرنا رئيس حكومتنا على احتمالها، وما نحن بمحتملين! ينحني حليم تحت ثقل هزيمة لطمتنا وحجبت نهارنا :- " عدى النهار / والمغربية جاية/ تتخفى ورا ضهر الشمس/ وعشان نتوه ف السكة/ شالت من لياليها القمر".. " ياهل ترى الليل الحزين/ أبو النجوم الدبلانين/ أبو الغناوى المجروحين/ يقدر ينسيها الصباح/ أبو شمس بترش الحنين".. يهتف معه الكورس " أبدا".. " أبدا بلدنا ليل نهار/ بتحب موال النهار/ لما يعدي في الدروب/ ويغني قدام كل دار".. نفير صحيان مارد الحق يقود الجيش والشعب إلى النصر.. ولهذا وذاك نحن أكيد مكملين.
أكتب كرد فعل مضاد لهجوم اعلانات مطورين عقاريين يحلبون مدخراتنا لمضاعفة ثروات
الأثرياء، عدو منهم أو حبيب!!.. قريب أو غريب لم يحتضن ثرى وطني عظام أجداده، ولا أبائه حتى!! الاستعمار العقاري منح المصريين فرص عمل يتربح ويترفه منها صاحب المال!! والحق انني أشفق على نفسي وجيلى، من غباء استيعابنا لنظريات الاستثمار الحديثة، من تجمد تطلعاتنا داخل مربع بناء المصانع وانعاش التربية والتعليم.. التوسع الرأسى بأبراج استثمارية يحجب الشروق عن الصحرا وعن النيل.. يسرق الغروب ويدفن شمس الأصيل سرا.. وحقيقى أسألكم، مين الصح فينا!! المطور العقارى أم الإنسانى!! ياريت ما كان الفلاح خلع الجلابية واستمر الحقل أجمل لوحات بيكار.. أيوه كلنا فرحنا بمنحه حقه في حياة آدمية مقابل توفير طعامنا، ورسمنا صور رفاهيته هو وعمال المصانع من أرباح تصنيع وتصدير المزروعات.. إعلانات مشاريع المطورين العقارين احتلت شوارعنا وحاراتنا مدنا وقرى!! عاجزة عن مشاركة رئيس وزرائنا فرحة توقيع عقود رفاهية عقارات الآخرين.. كله منك ياخال، قلبت مواجع وصحيت بكلماتك أحلاما، غالبا هي أوهام المدينة الفاضلة :- " ليل يلف ورا السواقي زى ما يلف الزمان/ وعلى النغم..تحلم بلدنا بالسنابل والكيزان/ تحلم ببكره واللى هايجيبه معاه/ تنده عليه في الضلمة وبتسمع نداه/ تصحى له من قبل الآدان/ تروح تقابله في الغيطان/ في المتاجر والمصانع والمدارس والساحات/ طالعاله صحبة صفوف جنود/ طالعاله رجال أطفال بنات/ كل الدروب واخده بلدنا للنهار".. وغالبا أخدتها لما كانت بلدنا على الترعة بتغني وتغسل شعرها.. ياترى شعبنا الـ 100 مليون لسه مش قادر يدفع مهرها ؟!
------------------------------
بقلم: منى ثابت






